العيني

187

عمدة القاري

لجمعة جمعت بجواثى ) ، قرية من قرى البحرين . قال عثمان : قرية من قرى عبد القيس . ذكر معناه : قوله : ( جمعت ) ، بضم الجيم وتشديد الميم ، ويقال : جمع القوم تجميعا أي : شهدوا الجمعة وقضوا الصلاة فيها . وفي رواية أبي داود : ( جمعت في الإسلام ) ، كما ذكرنا الآن . قوله : ( بعد جمعة ) وفي رواية للبخاري في أواخر المغازي : ( بعد جمعة جمعت ) . قوله : ( في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وفي رواية وكيع : بالمدينة ، ووقع في رواية المعافي : بمكة ، وهو خطأ بلا نزاع . قوله : ( في مسجد عبد القيس ) ، هو علم لقبيلة كانوا ينزلون بالبحرين ، وهو موضع قريب من بحر عمان بقرب القطيف والأحساء . قوله : ( بجواثى ) ، بضم الجيم وتخفيف الواو وبالثاء المثلثة وبالقصر ، ومنهم من يهمزها ، وهي قرية من قرى البحرين ، وهكذا وقع في رواية وكيع كما ذكرناه عن أبي داود ، وفي رواية عثمان شيخ أبي داود : قرية من قرى عبد القيس ، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي من رواية محمد بن أبي حفصة عن ابن طهمان ، وحكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن : أنها مدينة . وفي ( الصحاح ) للجوهري و ( البلدان ) للزمخشري : جواثى : حصن بالبحرين . وقال أبو عبيد البكري : وهي مدينة بالبحرين لعبد القيس ، قال امرؤ القيس : * ورحنا كأنا من جواثى عشية * نعالى النعاج بين عدل ومحقب * يريد كأنا من تجار جواثى ، لكثرة ما معهم من الصيد ، وأراد كثرة أمتعة تجار جواثى . قلت : كثرة الأمتعة تدل غالبا على كثرة التجار ، وكثرة التجار تدل على أن جواثى مدينة قطعا ، لأن القرية لا يكون فيها تجار كثيرون غالبا عادة . فإن قلت : قد يطلق على المدينة اسم قرية ، كما في قوله تعالى , * ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) * ( الزخرف : 31 ) . يعني : مكة والطائف ، قلت : إطلاق لفظ : القرية ، على المدينة باعتبار المعنى اللغوي ، ولا يخرج ذلك عن كونه مدينة فلا يتم استدلال من يجيز الجمعة في القرى بهذا الوجه ، كما سنذكره مستوفىً عن قريب إن شاء الله تعالى . ذكر ما يستفاد منه : استدلت الشافعية بهذا الحديث على أن الجمعة تقام في القرية إذا كان فيها أربعون رجلاً أحرارا مقيمين ، حتى قال البيهقي : باب العدد الذين إذا حضروا في قرية وجبت عليهم ، ثم ذكر فيه إقامة الجمعة بجواثى . قلنا : لا نسلم أنها قرية ، بل هي مدينة كما حكينا عن البكري وغيره ، حتى قيل : كان يسكن فيها فوق أربعة آلاف نفس ، والقرية لا تكون كذلك ، وإطلاق القرية عليها من الوجه الذي ذكرناه . ولئن سلمنا أنها قرية فليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وأقرهم عليه ، واختلف العلماء في الموضع الذي تقام فيه الجمعة ، فقال مالك : كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها ، ولا يجب على أهل العمود وإن كثروا لأنهم في حكم المسافرين . وقال الشافعي وأحمد : كل قرية فيها أربعون رجلاً أحرارا بالغين عقلاء مقيمين بها لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاءً إلاّ ظعن حاجة ، فالجمعة واجبة عليهم ، وسواء كان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها ، بشرط أن تكون الأبنية مجتمعة ، فإن كانت متفرقة لم تصح ، وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاءً أو صيفا لم تصح الجمعة بلا خلاف ، وإن كانوا دائمين فيها شتاءً وصيفا وهي مجتمعة بعضها إلى بعض ففيه قولان : أصحهما : لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم ، وبه قال مالك . والثاني : تجب عليهم وتصح منهم ، وبه قال أحمد وداود : ومذهب أبي حنيفة ، رضي الله تعالى عنه : لا تصح الجمعة إلاّ في مصر جامع أو في مصلى المصر ، ولا تجوز في القرى ، وتجوز في منى إذا كان الأمير أمير الحاج ، أو كان الخليفة مسافرا . وقال محمد : لا جمعة بمنى ولا تصح بعرفات في قولهم جميعا . وقال أبو بكر الرازي في كتابه ( الأحكام ) : اتفق فقهاء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره لأنهم مجتمعون على أنها لا تجوز في البوادي ، ومناهل الأعراب ، وذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمعون . ثم اختلف أصحابنا في المصر الذي تجوز فيه الجمعة ، فعن أبي يوسف : هو كل موضع يكون فيه كل محترف ، ويوجد فيه جميع ما يحتاج إليه الناس من معايشهم عادة ، وبه قاض يقيم الحدود . وقيل : إذا بلغ سكانه عشرة آلاف ، وقيل : عشرة آلاف مقاتل ، وقيل : بحيث أن لو قصدهم عدو لأمكنهم دفعه ، وقيل : كل موضع فيه أمير وقاض يقيم الحدود ، وقيل : أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يسعهم ، وقيل : أن يكون بحال يعيش كل محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى ، وعن محمد : موضع مصرة الإمام فهو مصر حتى إنه لو بعث إلى قرية نائبا لإقامة الحدود والقصاص تصير مصرا ، فإذا عز له ودعاه يلحق بالقرى ،